تناول إدريس الأزمي الإدريسي، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية في عهد حكومة عبد الإله بنكيران، ثلاثة مؤشرات مالية واقتصادية وَصَفَها بالمقلقة، تداولتها بالخصوص الصحافة الاقتصادية والمالية، مضيفا أن “ما هو مقلق أكثر هو كون أغلب التفسيرات رجحت وضخمت كفة الأثر السلبي لقرار بنك المغرب الزيادة في سعر الفائدة المرجعي بـ100 نقطة أساس على مرحلتين”.

وأشار الأزمي، في مقال له توصلت به جريدة هسبريس بعنوان “طاحت البورصة وشحت السيولة علقوا بنك المغرب!”، إلى أن “هذا القرار من المفروض أن أثره تم استيعابه نسبيا، باعتبار أن جزءا منه اتخذ في شتنبر الماضي، لكن في المقابل يغفل البعض أن هناك قرارات وإجراءات أخرى المسؤول عنها أولا وأخيرا هي الحكومة، التي ولا شك ساهمت بنصيب معتبر في ما يجري”، قبل أن يفصّل في أربعة عناصر مرتبطة بالموضوع.

هذا نص المقال:

استوقفتني في بداية هذه السنة ثلاثة مؤشرات مالية واقتصادية مقلقة تداولتها بالخصوص الصحافة الاقتصادية والمالية؛ يتعلق الأول بتراجع مؤشر بورصة الدار البيضاء سنة 2022، في سابقة لم تسجل من قبل، بنسبة 19,7% مقارنة بسنة 2021، وهو ما علق عليه الكثير من المعنيين والمحللين والخبراء، وتوالت التوصيفات التي تعبر عن إحباط كبير وترقب شديد لدى السوق المالي وفاعليه، لكون البورصة شهدت لأول مرة تبخر 129 مليار درهم من قيمتها السوقية في سنة واحدة.

أما المؤشر الثاني فيتعلق بلجوء بنك المغرب- ولأول مرة أيضا- إلى إعمال آلية هيكلية من آليات تنفيذ السياسية النقدية لمعالجة النقص في السيولة، من خلال شرائه عبر حصتين سندات الخزينة على مستوى السوق الثانوي بما تجاوز 16 مليار درهم، وأنه سيستمر إلى حين بلوغ 25 مليار درهم.

فيما المؤشر الثالث يتعلق بكون عدد المقاولات المفلسة بلغ 12.397 مقاولة برسم سنة 2022، وهو رقم قياسي مقارنة بالسنوات السابقة، بزيادة بنسبة 17,4% مقارنة بسنة 2021.

بطبيعة الحال هذه المؤشرات مقلقة، لكن ما هو مقلق أكثر هو من جهة كون أغلب التفسيرات رجحت وضخمت كفة الأثر السلبي لقرار بنك المغرب الزيادة في سعر الفائدة المرجعي بـ100 نقطة أساس على مرحلتين في شتنبر ودجنبر من سنة 2022، ومن جهة أخرى، وهذا هو الأدهى، أن الحكومة منسحبة تماما وظلت ومازالت غائبة أمام هذه المؤشرات، فيما الفاعلون الاقتصاديون والماليون بالخصوص يترقبون ويتطلعون إلى كلمتها، لأنهم في حاجة إلى تفاعلها وإلى التوضيح والوضوح والعمل سويا معها لرسم معالم الخروج من هذه الأزمة، وتحويل الإحباط الذي عبر عنه الفاعلون إلى تعبئة لمعالجة الإشكاليات الاقتصادية والمالية – ولا أقول السياسية لأن هذا أمر آخر-التي تقف خلف هذه المؤشرات المقلقة في بداية سنة جديدة يتطلع الجميع إلى أن تشكل تحولا إيجابيا.

وفي محاولة للمساهمة في النقاش حول هذا الوضع، أسلم في البداية بدوري بأن قرار بنك المغرب لا شك أن له يدا في ما حصل، لكن بالتأكيد ليس لوحده، ولا بالحجم المضخم الذي يسوق له، الذي يتجاهل هدفه الأساسي وجانبه الإيجابي المتمثل في الحد من التضخم وكذا تدخله لضخ السيولة، وهو أمر مهم للسوق المالي ولتخفيف الضغط على الخزينة، وكذا كون هذا القرار من المفروض أن أثره تم استيعابه نسبيا، باعتبار أن جزءا منه اتخذ في شتنبر الماضي، لكن في المقابل يغفل البعض أن هناك قرارات وإجراءات أخرى المسؤول عنها أولا وأخيرا هي الحكومة، التي ولا شك ساهمت بنصيب معتبر في ما يجري. ويتعلق الأمر بالعناصر الأربعة التالية:

أولا- ذهول السوق المالي والقطاع البنكي أمام حجم دين الخزينة لسنة 2022 الذي من المتوقع أن يبلغ 960 مليار درهم مقابل 886 مليار درهم سنة 2021، أي بزيادة 74 مليار درهم في السنة الأولى للحكومة، وكذا حجم الترخيص البرلماني الذي طلبته الحكومة وحصلت عليه بالسماح لها بتعبئة ما يبلغ 129 مليار درهم من الديون سنة 2023، منها 69 مليار درهم من السوق الداخلية. وما يزيد من هذا الذهول أن هذه الزيادة الكبيرة وغير المسبوقة في المديونية تسجل في وقت توقعت الحكومة زيادة مهمة في الموارد العادية تقدر بـ50 مليار درهم هذه السنة. كل هذا لا شك أنه سيدفع البنوك والسوق المالي إلى الانتظار والترقب والعزوف عن الإقبال على سندات الخزينة، ليضطرها إلى الزيادة في أسعار الفائدة.

ثانيا- لجوء الحكومة بشكل كبير سيبلغ 25 مليار درهم سنة 2023، بزيادة 12 مليار درهم عن السنة الماضية، إلى ما سمتها التمويلات المبتكرة – التي هي في الحقيقة بيع أصول عقارية في ملكية الدولة لمستثمرين مؤسساتيين عموميين واستئجارها منهم -وهذا ما سيؤدي إلى تراجع السيولة المتوفرة لديهم، التي عادة ما يستثمرونها إما في البورصة وإما في سندات الخزينة، وهذا ما سيشكل ضغطا على السيولة وعلى النشاط فيهما معا.

ثالثا- الزيادة في سعر الضريبة على الشركات وعلى الأبناك وعلى مؤسسات التأمين ورفعها إلى 40%، التي يبدو أن هذه المؤسسات لم تستسغها بعد، ولاسيما في غياب العدالة الجبائية من طرف الحكومة، وهي التي استثنت دون مبرر الشركات الكبرى في قطاع المحروقات من هذه النسبة الجديدة، كما يقضي بذلك القانون الإطار للإصلاح الجبائي، وكما أوصى به مجلس المنافسة.

رابعا- عدم تواصل ووضوح الحكومة بخصوص برنامجها الزمني للخروج إلى السوق الدولي لتعبئة سيولة جديدة من شأنها أن تنافس وتنفس على السوق الوطني، وكذا تمديد خط السيولة والوقاية لتسهيل هذه العملية، وإن كان الأمر خارجا عن إرادة الحكومة لكونها تنتظر بعثة مجموعة العمل المالي للتأكد من الإجراءات التي قامت بها بلادنا لمعالجة بعض القصور في نظام مكافحة غسل الأموال. لكن من مسؤولية الحكومة ومن الواجب عليها أن تتواصل مع السوق المالي والفاعلين في سندات الخزينة لتوفر لهم الرؤية اللازمة ولتخفف الضغط عن شروط تمويلها.

وفي الختام، الذي يؤسف له حقيقة ليس هو تسجيل هذه المؤشرات المقلقة فحسب، لكن هو غياب التواصل الحكومي في هذه الظروف المتسمة بعدم اليقين وتواريها إلى الخلف عوض أن تتواصل بشكل منتظم مع السوق المالي ومهنيي البنوك بصراحة ووضوح وإقناع، وألا تكتفي بأن تردد في كل خرجاتها كونها قامت بما يلزم للتحكم في التضخم لكونها ضخت 40 مليار في صندوق المقاصة؛ هذا الربط غير المنطقي الذي يحتاج بدوره إلى الدليل والبرهان، وأن تبادر إلى تواصل مؤسساتي ومنتظم مع الفاعلين بحضور بنك المغرب والاتحاد العام لمقاولات المغرب وممثلي المقاولات الصغرى والمتوسطة، والمجموعة المهنية للبنوك، ومهنيي التأمينات، وغيرهم، كما كان الحال في السابق في لجنة اليقظة في وقت الصعوبات، وهو ما يجعل المرء يتساءل بدهشة واستغراب: إذا لم تجتمع هذه اللجنة في هذه الأوقات ففي أي وقت ستجتمع؟.